السيد حيدر الآملي

473

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

حتى إن المهندس لا يتعلم جميع ما يحتاج إليه في طول عمره بل يتعلّم كليات علمه وموضوعات فنّه ، ثم بعد ذلك يستخرج و . . . وكذلك الطبيب لا يقدر أن يتعلّم جزئيات أدواء الأشخاص وأدويتهم ، بل يتفكّر في معلوماته الكلية ويعالج كل شخص بحسب مزاجه ، وكذلك المنجّم يتعلم كليات النجوم ثم يتفكر ويحكم الأحكام المختلفة ، وكذلك الفقيه والأديب ، وهكذا في بدائع الصنائع فواحد وضع آلة الضرب وهو العود بتفكّره ، وآخر استخرج من تلك الآلة آلة أخرى ، وكذلك جميع الصنائع البدنية والنفسانية أوائلها محصّلة من التعلّم والبواقي مستخرجة بالتّفكر وإذا انفتح باب التفكر على النفس وعلمت كيفية طريقه وكيفية الرجوع بالحدس إلى المطلوب ينشرح قلبه وتنفتح بصيرته فيخرج ما في نفسه بالقوة إلى الفعل من غير زيادة تعب وطول نصب . ( التعلّم الرباني بالوحي والإلهام ) الطريق الثاني ، وهو التعلّم الرباني . وذلك على وجهين : الأول إلقاء الوحي وهو أن النفس إذا كملت ذاتها وزال عنها درن الطبيعة ودنس الحرص والأمل والافتخار ، وانفصل نظرها عن شهوات الدنيا وانقطع نسبها عن الأماني الفانية ، أقبلت بوجهها على بارئها ومنشئها ، وتمسّكت بجود مبدعها ، واعتمدت على إفادته وفيض نوره ، فاللّه عز وجل بحسن عنايته يقبل على تلك النفس إقبالا كليا وينظر إليها نظرا إلهيا ، ويتّخذ من تلك النفس لوحا ومن النفس ( العقل ) الكلي قلما وينقش فيها جميع علومه ، ويصير العقل الكلي كالمعلم والنفس القدسي كالمتعلم ، فتحصل جميع العلوم لتلك النفس وتنقش فيها جميع الصور من غير تعلم وتفكر ، ومصداق هذا قول اللّه عزّ وجلّ لنبيه ( ع ) : وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً [ سورة النساء : 113 ] . ( علم النبيّ أشرف العلوم ) فعلم الأنبياء أشرف مرتبة من جميع علوم الخلائق ، لأن محصوله عن اللّه